لبنان و العروبة

    بيروت- الدكتور وليد عربيد لبنان و العروبة، الهوية الوطنية، تكوين لبنان، الكيان… مصطلحات...

 

  بيروت- الدكتور وليد عربيد

لبنان و العروبة، الهوية الوطنية، تكوين لبنان، الكيان… مصطلحات تواكب تاريخ البلد وأشكالياته… و لاشك ان المسألة الكيانية و أزماتها أصابت كل الكيانات العربية او غالبيتها على الأقل، وربما ينسحب هذا الأمر على كيانات المنطقة.

 لكن لبنان يبقى الحلقة الكيانية الضعيفة، أذا نظرنا الى تاريخ الصراع في المنطقة منذ أتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، و حتى اليوم، مرورا” بنشوء الكيان الصهيوني، و تعدد المشاريع الغربية، و ابرزها المشروع الأميركي الذي يشكل الأصل لما يحصل للمنطقة عموما”.

ولعل ما جرى في لبنان منذ الأستقلال عام 1943، يطرح الأشكالية الكبرى، و هي ترتبط بهويته بالأساس. في حين ان جزءا” رئيسيا” من الصراع اليوم يتصل ايضا” بتحديد هوية لبنان  و موقعه الأقليمي. و لذلك لا يمكن عزل الواقع الراهن عن الأزمات السابقة، و ان تعدد اللاعبون و تبدلت المشاريع. فيما الصراع العربي الأسرائيلي دخل في منعطف جديد.
أيها السيدات و السادة،
من هذا المدخل يمكن قراءة كتاب رغيد الصلح.وهو و ان كان في اصله رسالة اكاديمية، انما هو مرجعا” لفهم الدينامية التي سار عليها الكيان اللبناني و الصراع المتصل به. و مستندا” لكشف العلاقة بين السياستين اللبنانية و العربيو في المنعطفات التاريخية للمنطقة العربية، خصوصا” و انه يستحضر أرشيف الخارجية في كل من بريطانيا و فرنسا و الولايات المتحدة الأميريكية.

ايها الأصدقاء،

أستطاع رغيد الصلح، المحلل السياسي، المؤرخ، الباحث ، الأكاديمي  عبر مقالات و دراسات نشرها في الدوريات و الصحف العربية على المساهمة في تطوير الفكر العربي النهضوي  بالأضاءة على كثيرمن مواضيع، تهمنا جميعا، و هي: الحداثة و التطوّر و الديمقراطية في الوطن العربي.

 في مؤلفه بين ايدينا غاص رغيد الصلح في الكراتين العتيقة  وو ثائق الأرشيف البريطاني  و الفرنسي و الأميركي كما أجرى مراجعة علمية للمستندات و الوثائق القديمة المتواجدة في مكتبة عائلته ، ايضا، قام بزيارات مكوكية لبعض الدول لأجراء المقابلات ذات الطابع البحثي- الأكاديمي مع شخصيات سياسية لبنانية. كل ذلك، ساعده على مناقشة اطروحة دكتوراه من جامعة اكسفورد اعرق الجامعات  البريطانية.

العروبة و لبنان في تكوين الدولة و هوية الوطن ليس عناوين رئيسية في قاموس رغيد الصلح  سليل العائلة الصلحية. هذه العائلة  أعطت لبنان عددا من رجالات الدولة عملوا من، دون ادنى شك، على تدعيم الصيغة اللبنانية و الحفاظ على وحدة وسيادة الوطن .

لست هنا لأكيل المديح للصديق العزيز بل لمناقشة كتابه الذي يحمل عنوان “لبنان والعروبة” الصادر عن دار الساقي في لندن.

في قراءة موضوعية، قام الكاتب، بطرح اشكالية اساسية في علاقة الكيان اللبناني بمحيطه العربي و ما نتج عن هذه الأشكالية من أنعكاسات سلبية على الساحة الداخلية هددت في مراحل تاريخية معينة على حصول أزمات سياسية خطيرة و صلت الىحد الأنفجار و تفتت الوطن و الدولة. لذلك، ان هذا الكتاب  يعتبرحاجة ضرورية للمكتبات العامة و الجامعية لفهم الحيوية الداخلية للبنان و أرتباطه بالتالي بالتقاطعات الأقليمية و الدولية و ازمات منطقة الشرق الأوسط و انعكاساتها على الكيان اللبناني.

يتساءل الكاتب عن التحديات التي واجهت صيغة الميثاق الوطني اللبنانية المتفاهم عليها عام 1943حيث يشير الى أن  قمةالتحديات  كانت  قد توّجت بأتفاق الطائف عام 1989. كذلك، يتساءل عن عدم توافق اللبنانيين على موضوع هوية لبنان الوطنية التي كوّنت لفترة طويلة من الزمن عاملا” خلافيا” سببت  بتدخل القوى الدولية.

  هذه الأسئلة الهواجس التي طرحها المؤلف خلال مرحلة تحضيره الكتاب، نراها تعود طارحة بظلالها على الساحة الداخلية من خلال الأزمة الحالية. لاشك ان الظروف و الهواجس من دولية و أقليمية و حتى داخلية قد تغيرت الى حد بعيد لكنها لم تحسم التشّكل النهائي للهوية اللبنانية. فهوية لبنان و ان كان اكدها أتفاق الطائف بعد الأزمة-ألأنفجار( 1975-1990) و الصراع بين القومية اللبنانية و القومية العربية و ان كان اصبح سؤالا” للتاريخ فقط، انما تطوير التركيب السياسي لهذه الهوية لم يصل الى محطة تؤمن الأستقرار.

فمعاناة لبنان في الحقبة التاريخية التي كان مفهوم لبنان الكبير في نظر مؤسسيه و في نظر عدد كبير من دعاته، كيانأ” مسيحيا” حيث اعتبر الموارنة اكثر الطوائف و لاء” للدولة الحديثة العهد في بداية العشرينات. ومن هذا المنطلق، ساد الأعتقاد بأن رجحان كفة الموارنة ضروري لأمن و أستقرار لبنان و استمراره. كما انه برزت الأنعكاسات الثقافية لأعتبار لبنان دولة مسيحية حيث تبنت شريحة كبيرة من أبناء الطائفة المارونية للثقافة الفرنسية. و يشير الكاتب الى ان قلة من الفرنسيين الداعمين لفكرة لبنان الكبير و قلة من المتطرفين للقومية اللبنانية اتبعا سياسة الأنعزال المتشدد في مواجهة القوميين العرب.

حاول الكاتب بكل صدق ان يشرح المواقف المتضاربة للأطراف المتصارعة ذات الآراء المختلفة حيال لبنان الكبير و قد اثرت في طريقة تكوين مفهوم لبنان لدى جميع الطوائف و في تكوين نظرة بعضهم الى بعض، و الى المنطقة المحيطة بهم.

في الواقع، مايربط الماضي بالحاضر هو ما أشار اليه رئيس وزراء برطانيا تشمبرلين بعد توقيع معاهدة ميونيخ بين المانيا و بريطانيا: ” نشهد اليوم… أعادة رسم الحدود المتفق عليها في مؤتمر فرساي…ان المشكلة لاتكمن في ما أذا كان يجب اعادة ترسيم هذه الحدود بين الحين و الآخر بل اذا كان ذلك سيتم بالمفاوضات و المناقشات او بالحرب” . و للدلالة على التاريخ بالراهن ما أشار اليه الكاتب عن قول و نستون تشرشل في اواخر آذار عام 1941 بخصوص سوريا ولبنان و خوفه من سقوطهم تحت النفوذ الألماني : ” كان سلاح الجو الألماني يهاجم قناة السويس من قواعد الدوديكاليز و كان باستطاعته ان يقوم بعمليات ضد سوريا لو ارادا، و خصوصا” بواسطة القوات المجوقلة. ويتابع تشرشل فيما كان الألمان يسيطرون على سوريا و مصر و المنطقة الحيوية لقناة السويس، كانت المصافي النفطية في عبدان تحت التهديد المباشر للهجوم الجوي المتواصل. كذلك كانت شبكة المواصلات البرية مع فلسطين في خطر.قد تكون هناعلى السياسة في مصر في حين ان موقفنا الدبلوماسي في تركيا و في انحاء الشرق الأوسط سيضعف تدريجيا”.

أما نظرة الفرنسيين الأحرار الى علاقات لبنان مع سائر العالم العربي حيث ان فرنسا جعلت لبنان قاعدة في سياستها تجاه سوريا و لبنان….ان لبنان الموحد ضروري لمصالحها الأستراتيجية كما هو ضروري لمصالح بريطانيا بسبب الموقع الجغرافي و البحري للبنان المتواجد بساحله المقابل لأوروبا و هو بالتالي رأس جسر يؤمن الوصول للعمق العربي.

و للدلالة، ايضا”، بعلاقة التاريخ بالحاضر نشير الى ما تتطرق اليه الكاتب عن الدور الأميركي حتى قبل أستقلال لبنان حيث تنامت اهمية الولايات المتحدة كقوة عالمية و مع ازدياد مصالحها في الشرق الأوسط.هذه المصالح الثقافية و الأقتصادية تنامت في اواخر عام 1942 مما ادى الى انتشار المبعوثين الأميركيين المطلقي الصلاحيات و السفراء الجوالين والشيوخ الزائرين.

و لعل الزيارات المكوكية للوفود الأميركية اليوم تذكرنا ببعض مفاصل تلك المرحلة.

أيها الأصدقاء،

مايطرحه رغيد الصلح في كتابه تجعلنا نفكر مليا” في طبيعة الصراع الناشىء اليوم، و الممتد من حقبات مشاريع مختلفة منذ حقبة الأستقلال. فاللبنانيون لم يستطيعوا بناء دولة عابرة الطوائف بعد اتفاق الطائف، بل كرسوا صيغة طائفية جديدة برعاية اقليمية و دولية. هذه الرعاية التي تجدت استقرارا” في التسعينات اهتزت صراعا” على السيطرة بين مشاريع دولية و أقليمية، تمركزت الطوائف اللبنانية على ضفافها، و أضحى الصراع الداخلي بين مكونات الصيغة و حقوق الطوائف امتدادا” لمصلحة المشاريع الخارجية.

أن الأشكالية اللبنانية، عادت لتطل من جديد، انما الحدة بدأت تهدد الكيان نفسه. و لعل  نشوء كتلة تاريخية على غرار ما حصل قبل الأستقلال تعيد الأعتبار للداخل تبقى مهمة رئيسية للبنانيين الذين عليهم ان يقفوا موحدين لحماية الكيان و أعادة بناء الدولة على أسس مختلفة، او على الأقل تطوير الصيغة التي تتحكم بتوازنات طوائفها اليوم بالدستور و بالقوانين و بكل شيء.

بنهاية القول، اختم بالتأكيد ان موسوعة رغيد الصلح تنير لنا الطريق لفهم افضل لتاريخنا و محطاته المفصلية.و هو التاريخ الماكر الذي لم نخرج منه بعد.

رغيد الصلح : لبنان والعروبة ، الهوية الوطنية وتكوين الدولة. دار الساقي، بيروت 2006.

Walid Arbid
Professeur a l’université Libanaise,
Avocat a la cour de Beyrouth,
Président de l’Association des Universitaires
Libanais diplômés des Universités Françaises(AULUF)

عن فتحي شفيق