بومدين يعود هذا الاسبوع

بقلم احمد عظيمي       غدا، 27 ديسمبر، تعود ذكرى وفاة هواري بومدين. الرجل...

بقلم احمد عظيمي

 


 

 


غدا، 27 ديسمبر، تعود ذكرى وفاة هواري بومدين. الرجل الذي حكم الجزائر مدة ثلاثة عشر سنة، كانت، بالنسبة للبعض، سنوات عجاف افتقدت فيها الحرية وأممت خلالها ممتلكات خاصة وغاب أثناءها كل نقاش ديمقراطي حر؛ بينما رأت، ولعلها لازالت، فئات عريضة من الشعب الجزائري إنها كانت أعوام خير وعز وسؤدد، بل هناك من يقول إنها كانت زمن العظمة بالنسبة لبلدنا.

لا أنوي من خلال هذه العجالة تقييم مسار الرجل فذلك يتطلب الكثير من الجهد والبحث والاستقصاء والاستماع لمن رافقوه طوال فترة حكمه، كما لا أريد الحديث عن إنجازاته لأن أمرها يطول ويتطلب مجلدات لاحتوائها. كل ما أريده هو التذكير برجل حكم الجزائر في وقت لم يكن يوجد فيه حكم وفي فترة كادت فيها الصراعات على السلطة أن تعصف بسيادة الجزائر المستردة حديثا.

القليلون جدا، من الجزائريين، من كانوا يعرفون بأن الرجل ولد بهيليوبوليس بالقرب من مدينة قالمة، فهو كان يرفض أن ينسب لهذه الجهة أو تلك. بومدين لم يكن لا من الشرق ولا من الغرب ولم يكن لا من الشمال ولا من الجنوب، فهو كان جزائريا وكفى. كان يردد لبعض مقربيه بأنه ولد في المكان الذي ناضل فيه؛ وقد ناضل في الحدود الغربية مما جعله يختار أسمين رمزيين من هذه المنطقة (هواري وبومدين) وهما الاسمان اللذان احتفظ بهما طوال حياته، ولم يستعمل أسمه الحقيقي (محمد بوخروبة) أبدا.

بومدين لم يكن يحب أن يذكر أسمه مسبوقا برتبته العسكرية (عقيد) لأنه لم يكن عسكريا بالمفهوم التقليدي للعسكرية فهو تحصل على رتبته في خضم الكفاح المسلح حيث كان كل من يلتحق بالثورة يعتبر من مناضلي جبهة التحرير الوطني ومن جنود جيشها.

كان يمثل ما يمكن أن نسميه ” النيف” الجزائري بكل “مقوماته” وخصوصياته وعنفوانه وجرأته. كان يمثل الجزائري الحر من المظهر الخارجي حيث كان يلازمه  البرنوس الجزائري الأصيل إلى “الوقفة” التي لا انحناء فيها ولا خنوع مرورا بطريقة سيره التي لا هرولة فيها ولا تأن. هو ابن الريف القالمي،  تربى على تقديس معاني الشرف والرجولة فكان خير من حفظ شرف الجزائر وأثبت للعالم رجولة هذا الشعب الذي قال عنه مرة، في أحد خطبه، إنه رئيس شعب لا يطأطئ رأسه أبدا، كما قال: “يلعن أبوها الثورة التي تطأطئ رأسها”، معلنا بأن ثورتنا لا يمكنها أن تكون سوى ثورة الرجال.

بومدين، مهما يقال عن ديكتاتوريته، آمن بأن الجزائر كبيرة فكان في مستوى كبرها وكانت قراراته وإنجازاته في مستوى كبر الجزائر وعظمة ثورتها. أذكر هنا إنه في زيارة له لولاية سطيف، برمج له تدشين مستوصف بمدينة العلمة، وبعد أن قص شريط التدشين عند باب المستوصف التفت إلى والي الولاية سائلا إياه أين المستوصف؟ ولما أشار الوالي بيده إلى بناية صغيرة على بعد عدة أمتار، توقف بومدين وبنرفزة كبيرة قال لهذا الأخير: أنت تعرف إني لا أدشن علب الكبريت. وقفل راجعا دون أن يدخل المستوصف.

سياسته أوصلت المدارس إلى أعالي الجبال وكان يردد بأن الشعب المتعلم لا يستعمر أبدا. كنا طلبة في زمنه وكنا نعرف عنه إنه لم يكن يخشى أية قوة أو جهة مثلما كان يخشى الطلبة الجامعيين الذين لم يكونوا يتغنون به أو يقدسونه أو يرفعون صوره بل كانوا يناقشونه في أمور الدولة، وكانوا يعارضونه في مدرجات الجامعة وأروقتها. أذكر هنا إضراب الطلبة المعربين، في منتصف السبعينيات، للمطالبة بالإسراع في تعريب الإدارة وكيف أن ممثلين عنهم ذهبوا إلى رئاسة الجمهورية وكيف استقبلهم وتحدث معهم معلنا لهم بأنه فعلا يريد التعريب لكن هناك ضغوطات كبيرة مورست وتمارس عليه؛ ولما عادوا إلى الجامعة، عقدوا تجمعا مع المضربين في بهوها ليقدموا عرضا عن لقائهم مع بومدين. يومها أخذ زميلنا الأستاذ منصور بلرنب رحمه الله الكلمة ليخطب في الطلبة موجها نقدا لاذعا لبومدين وسياسته. ولم يتعرض لأي ضغط أو تهديد على إثرها من أية جهة كانت.

آمن بومدين بأن التصنيع هو الوسيلة الفضلى لتطوير الجزائر فخصص الكثير من الجهد والمال لهذا المجال فكانت المصانع التي لازالت واقفة لحد اليوم، ورغم أن كل سياسة التصنيع أوقفت بعد وفاته مباشرة غير أن إنجازاته، في هذا المجال، هي أكبر من أن تندثر مع الزمن، فالحجار لازال واقفا وكذا المناطق الصناعية التي أنشئت في زمنه في كل ولايات الوطن من الرويبة بالعاصمة (سابقا) إلى سطيف فآرزيو بوهران وسكيكدة وغيرها. وهي صناعات شملت كل المجالات بما فيها الأكثر تطورا في ذلك الوقت (مصنع الإلكترونيك بسيدي بلعباس).

في وقته كانت الدراسات التي أنجزت حول الاقتصاد الجزائري تقول بأن الجزائر هي يابان إفريقيا وإنها أكثر دول العالم الثالث تأهيلا للخروج من دائرة التخلف مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. لكن بومدين مات في عز الشباب (46 سنة) والذين جاؤوا من بعده أوقفوا كل المشاريع وساروا بالجزائر في اتجاهات أخرى جعلت أموالها تصب في البنوك الأجنبية ولفائدة الشركات الغربية، والفرنسية بالخصوص، من خلال ما سمي ببرامج محاربة الندرة والدفع المؤجل، كما تمت إبادة ثروة الأمة من خلال التنازل البخس عن الأملاك الشاغرة.

الذين عرفوه، أو عملوا معه، يؤكدون بأنه عاش في مستوى الجزائري البسيط، فلا أكل فاخر ولا لباس من أكبر المحلات العالمية ولا سيارات آخر نوع. لم يكن يسمح لأفراد عائلته بالاقتراب من دوائر السلطة ولا الاستفادة من موقعه للثراء أو للحصول على امتيازات. كان يصرف من راتبه على والدته ولما مات لم يترك في حسابه الشخصي سوى مبلغ ستة آلاف دينار جزائري (6000.00 دج). لم تكن له حسابات في الخارج ولا امتلك فيلات أو قصور. في حوار نشر منذ أربعة أيام على موقع جريدة الوطن، يذكر الصحفي الفرنسي بول بالطا الذي كان يراسل جريدة لوموند الفرنسية بالجزائر في زمن هواري بومدين والذي كانت له علاقات جيدة مع هذا الأخير، يذكر كيف أن والدة بومدين طلبت منه ذات مرة بأن يتدخل لإعفاء أخيه الأصغر من تأدية واجب الخدمة الوطنية وأمام رفضه، رغم حبه الكبير لها، قالت له بأنها ستشكوه للحكومة فانزعج من كلامها وانصرف وأضطر أخوه، السعيد بوخروبة، لأداء الخدمة الوطنية في نفس ظروف أبناء الشعب الجزائري الآخرين.

بول بالطا، يذكر أيضا كيف أن بومدين دعا الأمين العام للرئاسة السيد إسماعيل حمداني ذات مرة، على إثر تدخله لصالح أحد أقارب بومدين، ليقول له بأن هناك خطا أحمرا بين المشاكل العائلية وقضايا الدولة لا يجب تجاوزه.

هذه لمحات بسيطة ومختصرة جدا لما كان عليه بومدين. ولأن لكل رجل حكم أخطاء، فبومدين كانت له أخطاؤه وبعضها كانت قاتلة، ولعل معظمها يعود لكونه أجل الفصل فيها لوقت لاحق لكن الموت داهمه دون أن يتمم مشروعه.

من الأخطاء التي نستشفها من قراءتنا لمذكرات العقيد الطاهر الزبيري، أول رئيس أركان للجيش الجزائري، والتي كانت لها آثارها السلبية على الجزائر، بعد وفاته، هو استعانة بومدين بضباط وصف ضباط التحقوا بالثورة التحريرية في أشهرها الأخيرة، لبناء الجيش الجزائري. هؤلاء الآتون من الجيش الفرنسي، يكونون قد أضروا كثيرا بالجزائر، حسب ما جاء في مذكرات الزبيري، بعد وفاة بومدين. طبعا لا يمكن الحديث عن هذا الخطأ والتأكد منه ومن أسباب لجوء بومدين إلى هؤلاء بالذات إلا من خلال دراسة علمية.

الخطأ الثاني، هو سكوته عن فساد بعض المقربين منه من الذين فضلوا الثروة على الثورة دون مغادرة السلطة بل كثيرا ما استعملوا مناصبهم لخدمة مصالحهم الشخصية. هؤلاء، تحولوا بعد مماته إلى بارونات حقيقيين عاثوا في الأرض فسادا.

الخطأ الثالث، يتعلق بالعدالة الاجتماعية، حيث أن قناعته العميقة بحق المواطنين، خاصة الفلاحين منهم، في الحياة الكريمة جعلته يلجأ إلى إصدار قانون الثورة الزراعية الذي أدى تطبيقه إلى إفقار الجزائر زراعيا. الخطأ لم يكن على مستوى المبدأ في حد ذاته بل على مستوى التطبيق وفي طبيعة النظام التعاوني الذي وضع لمجتمع كان –ولازال- جد متمسك بالملكية الفردية.

أخيرا، مهما كانت أخطاء بومدين فهي لا تقاس أمام عظمة مشروعه الذي لم يكن يهدف سوى لبناء دولة عصرية قوية وسيدة، تأمر ولا تؤتمر، تؤثر ولا تتأثر. دولة كان لا شيء يتم في المنطقة دون إرادتها وموافقتها.

هكذا كان بومدين ورغم كل التعتيم الذي تعرض له ممن خلفوه في الحكم إلا أن الرجل لا زال حيا في ضمائر الجزائريين بما فيهم الأطفال الذين ولدوا بعد وفاته بعدة عقود.

عن فتحي شفيق